الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

251

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لا يسمعون صوت أي أحد أبدا ، فكأنهم لوحدهم في العذاب ، وهذا بنفسه يعتبر عقوبة أشد ، لأن الإنسان إذا رأى معه بعض المسجونين فستهون عليه المصيبة ، و " البلية إذا عمت طابت " ، كما في المثل . ثم تبين الآية التالية حالات المؤمنين الحقيقيين من الرجال والنساء ليتبين وضع الفريقين من خلال المقارنة بينهما ، فتقول أولا : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وهو إشارة إلى أننا سنفي بكل الوعود التي وعدنا بها المؤمنين في هذه الدنيا ، وأحدها إبعادهم عن نار جهنم . وبالرغم من أن ظاهر الجملة يشمل كل المؤمنين الحقيقيين ، إلا أن البعض احتمل أن تكون إشارة إلى من عبد من دون الله كالمسيح ومريم ( عليهما السلام ) ، الذين عبدوا دون إرادتهم ، ولما كانت الآيات السابقة تقول : ستكونون أنتم وآلهتكم في جهنم ، وكان من الممكن أن يشمل هذا التعبير أمثال المسيح ( عليه السلام ) ، فإن القرآن يبين هذه الجملة كاستثناء بأن هذه الفئة سوف لا ترد الجحيم أبدا . وذكر بعض المفسرين سببا لنزول هذه الآية ، وهو يوحي بأن البعض قد سأل الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نفس هذا السؤال ، فنزلت الآية تجيبهم . ولكن مع ذلك فلا مانع من أن تكون الآية جوابا لهذا السؤال ، وأن تكون حكما عاما لكل المؤمنين الواقعيين . وتذكر الآيتان الأخيرتان أربع نعم إلهية كبرى تغمر هذه الطائفة السعيدة . فالأولى : إنهم لا يسمعون حسيسها و " الحسيس " - كما قال أرباب اللغة - الصوت المحسوس ، وجاءت أيضا بمعنى الحركة ، أو الصوت الناشئ من الحركة ، ونار الجحيم المشتعلة دائما لها صوت خاص ، وهذا الصوت مرعب من جهتين : من جهة أنه صوت النار ، ومن جهة أنه صوت حركة النار والتهامها . ولما كان المؤمنون المخلصون بعيدين عن جهنم ، فسوف لا يطرق سمعهم هذا الصوت المرعب مطلقا .